الألعاب الخطرة ليست خطرًا

sample-ad

ترجمة: أحمد عياد


الخوف، ربما تعتقد أنه تجربة سيئة يجب أن نتفاداها كلما أمكن.

ولكن كل من لديه طفل أو كان يومًا ما أحد هؤلاء الأطفال، يعلم أن الأطفال يحبون الألعاب الخطرة: ألعابًا تجمع لهم بين سعادة الحرية مع معايير الخطر التي تنتج لهم مزيجًا من البهجة والتشويق.

ست فئات من اللعب الخطير:

قام إلين ساندستر -أستاذ بجامعة الملكة مود بمدينة تروندهايم بالنرويج- بتقسيم الألعاب الخطرة التي تجذب الأطفال في كل مكان إلى ستة أنواع من الخطر وهي:

1- المرتفعات:
يتسلق الأطفال الأشجار ومنشآت أخرى قد تصل إلى ارتفاع مخيف، حيث يتمكنون من الحصول على رؤية العالم كما يراه الطير، وأيضًا الحصول على متعة الشعور والانتصار بجملة “لقد فعلتها”.

2- السرعات العالية:
فعادة ما يتأرجح الأطفال ويلعبون بالحبال كما يتزحلقون بالزلاجات ويحبون التزلج على الجليد. كذلك ركوب الدراجات وأجهزة أخرى سرعتها كافية لتعطيهم التشويق، ولكن قد تؤدي أيضًا إلى فقدان التوازن وعدم القدرة على التحكم في أنفسهم.

3- الأدوات الخطيرة:
يعتمد ذلك على ثقافة الناس أنفسهم. يلعب الأطفال بالسكاكين الحادة والأقواس والأسهم، أو بالأدوات التي تستخدم في الزراعة، حيث يجتمع العمل واللعب سويًا. ويشعر الأطفال بالرضا عندما تعطيهم الثقة وتسمح لهم بالإمساك بمثل هذه الأدوات، ولكن هناك بعض التخوف من القدرة على التحكم بهذه الأدوات فالخطأ في مثل هذه الأمور قد يكون مؤذيًا.

4- العناصر الخطرة:
يحب الأطفال اللعب بالنار أو اللعب داخل وحول بقاع المياه العميقة التي قد تجلب بعض الخطورة أيضًا.

5- اللعب الخشن والتعثر:
يلاحق الأطفال في كل مكان بعضهم البعض ويتشاجرون لمجرد اللعب، كما يحبون أن يكونوا في الموضع الأكثر ضعفًا –الشخص الذي يتم ملاحقته أو الشخص الذي يتم ضربه في المصارعة- الموضع الذي يجعله عُرضة للأذى ويتطلب مهارة كبرى لتخطي الموقف والتغلب عليه.

6- الاختفاء/ الضياع:
يلعب الأطفال الصغار لعبة الغميضة واختبار إثارة الموقف المؤقت والمخيف لكونه بعيدًا عن رفقائه. أما الأكبر قليلًا يحبون المغامرة وحيدين بعيدًا عن البالغين، والتوغل داخل الأماكن الجديدة بالنسبة لهم المليئة بالمغامرة والأخطار، وكذلك خطر الضياع والتوهان.

فائدة الألعاب الخطرة

يستمتع بعض صغار الحيوانات بالألعاب الخطرة أيضًا، فصغار الماعز تتسلق على المنحدرات الشديدة، كما تقفز في الهواء بطريقة غريبة التي تجعل القفزة أمرًا صعبًا على أقدامهم. وتتأرجح القرود الصغيرة وتنتقل بين الأشجار من فرع إلى آخر، وتكون تلك الفروع بعيدة بما فيه الكفاية لإرضاء مهاراتهم، لكن أيضًا عالية كفاية لإلحاق الأذى بهم إذا سقطت. ويستمتع صغار الشامبانزي بالسقوط من الفروع العالية، والإمساك بالفروع التي تحتها قبل السقوط على الأرض. كذلك يقضي صغار معظم الثدييات من كثير من الأنواع -ليس فقط صغارنا- معظم أوقاتهم يلاحقون بعضهم البعض، ويتشاجرون لمجرد اللعب، ويفضلون كذلك الموضع الأكثر ضعفًا.

ومن منظور تطوري، فالسؤال الأوضح عن الألعاب الخطرة هو: لماذا توجد مثل هذه الألعاب؟ من الممكن أن تسبب هذه الألعاب الإصابات -على الرغم من أن الإصابات الخطيرة تكون نادرة- ومن الممكن أن تؤدي حتى للموت -أمرٌ نادر- لذا لماذا لم يتم انتقاءها؟. الحقيقة في الأمر هو أن عدم انتقائها هو دليل قاطع على أن فوائدها تفوق مخاطرها. فما هي فوائدها؟ تعطينا الأبحاث العلمية التي أُجريت على بعض الحيوانات بعض الأدلة.

استنبط الباحثون بعض الطرق لحرمان صغار الفئران اللعب خلال مرحلة مهمة في نموهم، لكن بدون حرمانهم من التجارب الاجتماعية الأخرى. فمن الممكن القول أن الفئران التي نمت بهذه الطريقة قد شُلت عاطفيًا؛ فحين وضعوا في بيئة جديدة كانوا يتصرفون بخوف، وفشلوا في التكيف والاستكشاف، على عكس ما تفعله الفئران العادية. أما عند وضعهم مع قرين غير مألوف لهم فهم إما يتجمدون من الخوف أو يهاجمونه بقسوة.

وفي تجارب سابقة، تم الحصول على نفس النتائج عند حرمان صغار القردة من اللعب –على الرغم من أن التحكم في هذه التجارب لم يكن بمثل كفاءته في تجارب الفئران.

ساهمت هذه النتائج في نظرية “تنظيم المشاعر عن طريق اللعب” –تلك النظرية التي تلعب دورًا مهمًا في تعليم صغار الثدييات التنظيم والتفرقة بين الخوف والغضب. ففي مثل هذه الألعاب الخطرة، يعطي الشباب أنفسهم جرعات من الخوف يمكن التحكم بها ويتمرنون على الحفاظ على عقولهم، والتصرف بعقلانية حين اختبار مثل هذه المخاوف. فيتعلمون أنهم يمكنهم التحكم في خوفهم، والتغلب عليه، والخروج حيًا. في ألعاب الخشونة قد يتمكنون من اختبار الغضب بسبب أن أحد اللاعبين قد يتسبب في جرح الآخر، لكن يجب عليهم التغلب على ذلك الغضب ليتمكنوا من مواصلة اللعب والمتعة.

وقد ينتهي اللعب إذا أهان أحدهم الآخر، ولهذا تبعًا لنظرية تنظيم المشاعر، فإن اللعب من بين الأشياء الأخرى هو المسئول عن تعليم صغار الثدييات التحكم في الخوف والغضب ليتمكنوا من التغلب على مخاطر الحياة الحقيقة ويتمكنوا من الاختلاط مع الآخرين دون الاستسلام للمشاعر السلبية.

العواقب الناتجة عن حرمان الأطفال اللعب في ثقافتنا الحالة

كتبت ساندسيتر في مقال لها في صحيفة علم النفس المتطور عام 2011:”ربما نلاحظ زيادة في الأمراض النفسية في المجتمع إذا حرم الأطفال من المشاركة في الألعاب الخطرة.” كتبت ذلك كتوقع منها للمستقبل، لكني قمت بمراجعة بعض البيانات في تلك الأبحاث، واكتشفت أننا نعاصر هذا المستقبل في أيامنا هذه بالفعل، وقد كان موجودًا منذ فترة.

باختصار، هذا هو الدليل على ذلك؛ فنحن شهدنا على مر الستين عامًا الماضية رفضًا متواصلًا للسماح للأطفال بأن يلعبوا بحرية، دون تدخل أو تحكم البالغين فيهم، وبخاصة أثناء رغبتهم في ممارسة الألعاب الخطرة. وشهدنا أيضًا على مر نفس الستين عامًا زيادة مستمرة في أنواع الاضطرابات العقلية للأطفال، بشكل خاص اضطرابات المشاعر.

انظر مرة أخرى للست فئات على قائمة الألعاب الخطرة.

ففي العقد الخمسين من القرن العشرين، لعب الأطفال بهذه الطرق الخطيرة وقد سمح لهم البالغين بمثل هذه الألعاب –حتى و إن لم يكونوا  سعداء بالسماح لهم بذلك-، أما الآن سيتم اتهام الآباء الذين يسمحون لأطفالهم بذلك بالإهمال من جانب جيرانهم، إن لم يكن من جانب السلطات.

هذه بعض الأمثلة على الألعاب التي  لعبتها وأنا طفل:

  • في عامي الخامس، ركبت الدراجة، و تجولت مع صديقي ذو الست سنوات في أنحاء القرية، التي كنت أعيش بها، وتجولت أيضًا في القرى المحيطة. أعطانا آباؤنا بعض الحدود التي لم يكن ينبغي أن نتخطاها، مثل وقت العودة للمنزل، لكنهم لم يقوموا بتحديد نطاق حركتنا. وبالتأكيد لم يكن لدينا هواتف محمولة، أو أي وسيلة للاتصال بأي شخص في حالة ضعنا أو تأذينا.

– منذ بداية سن السادسة، كنت أنا وجميع الفتيان الذين كنت أعرفهم نحمل سكينًا، واستخدمناها في الألعاب التي تضمنت رمي السكاكين-ليس على بعضنا البعض-

  • وفي الثامنة من عمري، كنت أقضي أنا وأصدقائي أوقات الغداء في لعب المصارعة في الثلج، أو فوق العشب على ضفة النهر بجوار المدرسة، وكنا ننظم البطولات الخاصة بنا. لم يلاحظ المدرسين أو أيًا من البالغين لمشاجراتنا، حتى وإن لاحظوا لم يتدخلوا أبدًا.
  • وفي سن العاشرة والحادية عشر، كنت أقضي مع أصدقائي اليوم بأكمله، نتسلق المرتفعات ونتزحلق في البحيرة المحيطة بقريتنا شمالي مينيسوتا. وكنا نحمل أعواد الثقاب، فنقف على الجزر الصغيرة لإشعال النيران لتدفئة أنفسنا؛ فقد كنا نتظاهر بأننا من المستكشفين الشجعان.
  • أيضًا بسن العاشرة و الحادية عشر، كان يسمح لي بالعمل في الطباعة اليدوية للصحف في المطبعة، حيث كان يعمل بها والداي. وغالبًا ما كنت آخذ يوم الخميس عطلة من المدرسة؛ لأقوم بطباعة الجريدة الأسبوعية. لم يشتكِ المدرسين قط، على الأقل هذا ما أعلمه. وأعتقد أنهم كانوا على دراية بأني أقوم بتعلم أشياءً أكثر أهمية في المطبعة مما كنت أتعلمه بالمدرسة.

لم يكن مثل هذا التصرف مقبولًا في هذا الوقت. ربما كان والداي أكثر تعاونًا وثقةً بي أكثر من ثقة الآباء الآخرين وقتها في أبنائهم، لكن ليس بالفارق الكبير على حد اعتقادي. فكم من مثل هذه الأشياء سيتقبلها معظم الآباء والسلطات هذه الأيام؟

هذا مثلًا انطباع عما وصلنا إليه مؤخرًا:

أشار استبيان حديث أُجري على أكثر من ألف من الآباء في المملكة المتحدة إلى أن: 43% من الآباء يعتقد بأن الأطفال تحت سن الرابعة عشر لا ينبغي أن يتم السماح لهم بالخروج من المنزل بدون مرافق لهم، واعتقد النصف الآخر منهم بأن ليس لهم الحق في ذلك حتى يصلوا لسن السادسة عشر من العمر. أعتقد بأن نفس النتيجة ستكون نفسها إذا كان هذا الاستبيان في الولايات المتحدة. فالمغامرات التي كانت مسموحة للأطفال بسن السادسة من العمر هي الآن ممنوعة حتى للمراهقين.

وكما قلت، على مدار نفس الفترة التي تم فيها منع وحرمان الأطفال الحرية في مثل هذه الألعاب، وبخاصةً حرمانهم حرية اقتحام المخاطر، شهدنا زيادة في معدل الاضطرابات العقلية لدى الأطفال. أفضل دليل على هذا الأمر، هو تحليل النتائج وفقًا لبعض الأسئلة التي سُألت لمجموعات من الأطفال، على مر العقود ولم يتم تغيير نمط هذه الأسئلة على مدار السنوات. وأشارت هذه التحاليل والنتائج  على أن خمسة إلى ثمانية أضعاف الأشخاص في وقتنا هذا يعانون من الاكتئاب والقلق عما كان عليه الأشخاص في العقد الخمسين من القرن العشرين. فبمجرد المنع المتواصل للأطفال من حرية اللعب واقتحام المخاطر يزيد نسبة ارتفاع الأمراض النفسية لديهم.

الموضوع يحمل السخرية والمأساة معًا؛ نحرم الأطفال من حريتهم والألعاب الخطرة فقط لحمايتهم من الخطر، لكننا بهذا الأمر نهيئهم لعملية خمول عقلي. فالأطفال مهيئون طبيعيًا على تعليم أنفسهم مرونة المشاعر عن طريق اللعب بطريق خطرة ومحفزة لمشاعرهم المختلفة. وعلى المدى البعيد، نضعهم في موضع الخطرعن طريق منعهم من اللعب وكذلك نحرمهم المتعة.

اللعب الآمن يجب أن يكون بحرية وليس بالإكراه أو التحكم أو موجهة عن طريق البالغين.

لدى الأطفال الحافز الكافي للّعب بالطرق الخطرة، لكن أيضًا لديهم القدرة على معرفة قدراتهم الخاصة وتجاوز المخاطر التي ليسوا على استعداد لخوضها بعد، سواء جسديًا أو عاطفيًا. ويعلم أطفالنا أكثر منا ما هم على استعداد للخوض فيه. عندما يضغط الكبار على الأطفال، أو حتى عندما يقومون بتشجيعهم على ما هم ليسوا على استعداد له بعد، قد تكون النتيجة عكسية. هناك فارق كبير بين الأطفال حتى وإن كانوا في نفس السن والحجم والقوة. ما يعتبر  شائق لأحدهم يعتبر خطير بالنسبة لآخر. عندما طلب بعض المدربين من الأطفال في درس  اللياقة بأن يقوموا بتسلق الحبل للوصول للسقف، بعض الأطفال الذين اعتبروا مثل هذه المنافسة كبيرة عليهم، جلب لهم الأمر الخزي والخجل بدلًا من مساعدتهم في تعلم التسلق وتجربة المرتفعات. ويعلم الأطفال كيف يعطون نفسهم الكم الكافي من الخوف لأمر ما، ولاكتساب مثل هذا الأمر يجب أن يكونوا مسئولين عن أنفسهم فيما يتعلق باللعب.

ومع تسجيل اعتراضي، لاحظت بأن نسبة صغيرة من الأطفال عرضة للتقدير الزائد لقدراته، ويقومون بإصابة أنفسهم مرارًا وتكرارًا في مثل هذه الألعاب الخطرة، فهؤلاء الأطفال يحتاجون المساعدة في كبح جماحهم.

الأمر المثير للسخرية هو أن الأطفال يقومون بإصابة أنفسهم في الرياضات الخاصة بالبالغين أكثر من الألعاب التي يقومون هم باختيارها؛ ذلك بسبب أن تشجيع الكبار لهم على المنافسة في الرياضات المختلفة يجعل الأطفال يعرضون أنفسهم للأذى، وكذلك يؤذون الأطفال الآخرين، وهذا أمر لن يقوموا به في ألعابهم الخاصة. وذلك أيضًا بسبب أنه تم تشجيعهم وتحديد هذه الرياضة لهم، وكذلك تحديد بعض العضلات المحددة التي يقومون باستخدامها.

ووفقًا لآخر البيانات التي وصلت من مراكز مكافحة وقاية الأمراض  بالولايات المتحدة، فإن أكثر من ثلاثة ونصف مليون طفل أصحاب الأعمار تحت سن الرابعة عشر يقومون بالخضوع للعلاج من الإصابات الرياضية. هذا بمعدل طفل من كل سبعة أطفال يلعبون الرياضة. وأصبح الطب الرياضي للأطفال من الأعمال الشائعة حاليًا. ويصبح الشكر واجبًا للكبار الذين يقومون بتشجيع الأطفال في الملاعب على الرمي بقوة كبيرة تكفي للتخلص من مرفقهم، والذين يقومون بتشجيع الأطفال في كرة القدم للضرب بقوة تكفي لإحداث ارتجاج بالمخ، والذين يقومون بتشجيع السباحين الصغار للتدريب المستمر ليدمروا أكتافهم لدرجة تصل إلى احتياجهم للجراحة.

كثيرًا ما يلعب الأطفال بحثًا عن المتعة، ويتوقفون عن الشعور بالألم أو يبدلون طريقة اللعب. ولأنهم يلعبون بحثًا عن المرح يحرصون على عدم إلحاق الأذى بمن يلعبون معهم. أما الكبار الذين يقومون بالبحث عن الفوز فهم يعملون ضد الطرق الطبيعية لمنع الضرر.

لذا، نحن نقوم بمنع الأطفال من اختيار ألعابهم الخاصة اعتقادًا منا بأنه أمر خطير في حين أنه يجلب العديد من الفوائد للأطفال التي تفوق أخطارها، ثم نقوم بتشجيع الأطفال على ممارسة رياضة معينة حيث تكون نسبة الإصابة بها كبير. أعتقد أنه قد حان الوقت لإعادة النظر في أولوياتنا.


مقال مُترجم عن: Risky Play: Why Children Love It and Need It

إقرأ أيضاً:

Comments تعليقات فيس بوك

comments تعليقات

Facebook Comments

Post a comment