ما تعلَّمه روائي في زمن الحرب

sample-ad

ترجمة: أحمد شوكت


في بغداد، تغرب الشمس على مخيم ليبرتي، وهو واحد من قاعدتين كان يتمركز فيهما الروائي ويتني تيريل عندما كان مرافقاً للجنود الأمريكيين في العراق. تصوير/ مايا اليروزو

في بغداد، تغرب الشمس على مخيم ليبرتي، وهو واحد من قاعدتين كان يتمركز فيهما الروائي ويتني تيريل عندما كان مرافقاً للجنود الأمريكيين في العراق.
تصوير/ مايا اليروزو

عندما نُشرت الرواية الأولى لويتني تيريل “الصياد” عام 2001، قال الروائي أنه قرأها في بار “هاف كينج” (ملك النصف) بتشيلسي، و كنت هناك وقتها بصفتي صديق ومعجب، فقد كنا زملاء كلية واحدة وذلك لفترة وجيزة، ولكننا لم نعرف بعضنا البعض حقاً خلال تلك الفترة. لكن بعد حصوله على درجة الماجستير في الفنون بولاية أيوا، تم تعيينه لفترة من الوقت في منتصف التسعينات كمدقق ومراقب للحقيقة بنيويورك- حيث كنت وقتها مدقق ومراسل في نفس مكان العمل- وأصبحنا حينها أصدقاء.

، كنا نسير إلى المكتب في صباح أحد الأيام، ومررنا  بطريقنا على ما يبدو أنه مسرح جريمة –رجال شرطة وصحفيون ومارة متفرجون- كل ذلك خارج فندق رجينسي، في بارك أفنيو، وبسؤالنا اتضح أن عازف الإيقاع في فرقة سماشنج بومبكينز(تحطيم القرع) جوناثان ميلوفين مات جراء جرعة زائدة في الفندق. وشاهدنا الشرطة تغطي جسده  بملاءة. فقمت بحث تيريل وتشجيعه على كتابة قطعة شبه كوميدية حول مسرح الحادث وذلك لورقة الأسبوع –حيث يكتب نصا سريعا عن الصراع على المعلومات بين المارة والصحفيين. و قام تيريل بدوره وفعل ذلك، لكن كان هناك خطأ، وقد حدث بسببي فرغم كوني أحد سكان نيويورك إلا أنني أخطأت في التعرف على أحد مراسلي التلفزيون المحلي هناك على أنه جون ميلر- مراسل ABC السابق ومفوض الاستخبارات ومكافحة الإرهاب بشرطة نيويورك الآن- ، ووثق بي تيريل الذي كان من سكان  كنساس سيتي. (وعلى حد علمي، ليس هناك أحد -لا حتي ميلير، ولا مراسل ABC الذي أخطأت فيه- قالوا أي شئ عن هذا الخطأ). أدركت أنني كنت على خطأ بعد عدة سنوات لاحقة، وذلك عندما بثت إيه بي سي نيوز مقابلة ميلر الشهيرة مع أسامة بن لادن عام 1988، لم يكن رد فعلي وقتها له علاقة ببن لادن، أو التهديد الواقع علينا كمدنيين، بل قلت  “إذا هذا هو جون ميلر!”.

وأعادني ذلك  إلى المساء البرئ ببار هاف كينج  يوم الإثنين الموافق 10 سبتمبر 2001، حيث طلبت كوبا من الجعة، لكني تركته سريعا؛ حيث جاء تيريل ورئيس تحرير صحيفته (الراحل راي روبرتس  الذي عمل في دار فايكنج للنشر) ووكيله وزوجة وكيله وانتهوا إلى طلب المزيد، لكن الروائي الشاب ليلته كانت بالغة الأهمية؛ ذلك تتويجاً لأكثر من عشر سنوات من العمل. وفي نهاية المساء، انتهى بهم الأمر أمام فندق بلازا مع تيريل ببدلته، ووكيله بملابسه الداخلية يعومون في النافورة (وهي شعائر معروفة في المدينة). وكانت زوجة وكيلهتحمل كاميرا- التي تعمل كمصورة لصحيفة نيويروك بوست – والتقطت بها عددا من الصور، وبعدما قامت بتحميض الفيلمبعد فترة قليلة، وجدت أن آخر صورة التقطتها في الشريط  – أخذت في صباح اليوم التالي، وكانت الصورة الوحيدة التي لا تظهر فيها النافورة–  يظهر فيها دخان أسود متصاعد من مركز التجارة العالمي. فقد استيقظ الوكيل وزوجته في صبيحة اليوم التالي على الهجوم،  حيث شاهدوا انهيار الأبراج من على سطح البناية في بروكلين.

تيريل ما زال يحتفظ بذلك الشريط في خزانة ملفاته، وذلك كنوع من التميمة جالبة الحظ. وتلك الليلة وتسلسل الصور فيها يمثلان مصدرا للحيرة والحرج له في نفس الوقت. يا له من سخف! فعشية الحدث الذي سيغير مجرى تاريخ البشرية، ويودي بعدد كبير من القتلى والمصابين، كان هو يعوم في نافورة!. وكتب لي في وقت لاحق من هذا العام ما يلي: “بالنسبة لي، كانت تلك الصور دائماً ما تمثل صورة توضيحية لسذاجتي وبراءتي (وربما يكون جيلنا بأكمله كذلك)، وتمثل الشعور بالتميز في تلك اللحظة المهمة في التاريخ”. و كان متردداً حتى في التحدث عن ذلك الآن حيث قال أيضاً: “إنه من غير اللائق وصف كارثة وطنية في كتاب”. و رغم ذلك خصص قسم الفنون بجريدة التايمز في عددها – الصادر في الحادي عشر من سبتمبر 2001- ربع صفحة عن كتابه “الصياد” مع صورة لتيريل، وهو متأكد أنه ليس هناك شخصا  يبالي بذلك على الإطلاق.

وأحداث صباح ذلك اليوم وجميع ما تبع ذلك جعل تيريل ينتبه ويغير من حياته، كما فعل الجميع. وعندما غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003، وجد نفسه معارضا للحرب بشدة، و وغير قادر على إنهاء روايته التالية، التي تشبه روايته الأولى حيث تدور أحداثهما في كنساس سيتي. و كان لي صديقا وزميلا بالكلية يعمل ضابطا احتياطيا بالجيش وكان مثالا لما قد تتخيله عند التفكير في كيف يكون هيئة الجندي الشاب المتحمس، وتضرر هذا الشاب بمشاركته قائدا للدبابات خلال حرب الخليج الأولى، وفي عام 2006 انتحر. أراد تيريل أن يفهم ما حدث لهذا الشاب، وماذا يحدث لكثير من الشباب والشابات بالخارج؛ ففي ذلك العام، تمكن تيريل من أن يكون جزءا من مهمة مرسلة للعراق، وذلك باعتباره كاتبا مهندسا لتسجيل أخبار الهندسة (وهو يحب الكتابة عن الآلات، والجنود كما يقول يميلون للثقة فيه أكثر من الصحفيين القادمين من منافذ أخرى). حيث قضى هناك أسبوعين مع سرية مشاة بمعسكر ليبرتي في بغداد. وفقدت الوحدة 19 جنديا في ذلك العام في خضم حرب أهلية بالكاد يعرفون عنها شيئا. وبعد سنوات قليلة، كمراسل لجريدة سلات، أصبح جزءا من لواء مهندس 36 في منطقة البلد (وذلك بقاعدة عمليات وسط العراق) لمدة أسبوعين. وأنتج  عدة أعمال لإن بي أر NPR وواشنطن بوست، ولكن ما كان يريد أن يفعله بشدة هو كتابة رواية عن الحرب.

والجدير بالذكر أن تلك الرواية أخذ عملها ما يقرب من عقد، ونشرتها دار فارار وستراوس وجيرو الشهر الماضي بعنوان “الملازم الجيد”، وهي تتتبع تعليم الملازمة ايما فاولر، خلال حرب العراق، و تحكي عن قصتها، وقصة فصيلتها. و تروى القصة بطريقة عكسية، فتبدأ بالذروة، وهي المهمة شبه المستحيلة في الفصل الأول، ومن هناك يأخذنا تيريل إلى الوراء عبر الزمن خلال التطورات العسكرية والسياسية وما يتبعها من ظروف شخصية في كلا من العراق والوطن، مما أدى بها وبرجالها لتلك الحادثة الرهيبة. و فعل تيريل ذلك ليحل مشكلة هيكلية تسببت في جعل نسخة مبدأية من الرواية تبدو هامدة ورتيبة ولأنه أراد أيضا أن يواجه ما قد يبدو نوع من المغالطة الشائعة في السرد الروائي (والكثير من غير الروائي) للحروب –حيث تحارب من أجل زيف الشخصية، وتتويجاً لحياة رجل (أو في هذه الحالة مرأة). ولم يجد تيريل ذلك كما يجب أن يكون، فهو يرى أن القتال جنون ورعب غير إنساني وغير مبرر.

وقال لي في يوم لاحق عندما مر على نيويورك في جولة لكتابه: “نحن نؤلف  روايات ليتذكر الناس هذا”. ويوصف تيريل بأنه نحيف وطويل القامة، وله شعر بني أحمر اللون، وطريقته اجتماعية في التعامل، التي تنقطع من حين لآخر ويستبدلها بحدة قليلا. وتيريل يُدرس الكتابة بجامعة ميسوري بكنساس سيتي، ويقول: “تلك الروايات ليست الحقيقة، وكتّابها كتبوها –أعني أنها وضعت ورتبت لإعطائنا ذاكرة مضغوطة للواقع، والبعض الآخر يتشكك في الحرب. والأمر متروك للجمهور لفرز ما يستحق السرد وما لا يستحق”.

و ليس هناك كثير من الكتب التي تحدثت عن النساء في القتال، وإنه من المفيد والكئيب أن ترى الحرب وحياة الجيش من خلال عيون امرأة مقاتلة، ولو إن في تلك الحالة المرأة يتصورها الرجل. وفاولر بشكل أساسي هي طرف خارجي يجب أن يتعلم كيف تعمل المنظمة –وعليها تعلم قواعد الجيش وسخافاته وحيله وطقوسه التي يرتكبها كثير من رجال الجيش. وهذا يعطي الروائي والقارئ وجهة نظر غير مستهجنة وجديدة عن أشياء قد نعتقد أننا نعرف الكثير عنها، وعلى الأقل كما وجدت  على صفحة أو شاشة. فإن إيما فاولر هي تجسيد لتعليم تيريل في تعقيدات وويلات الحروب، فهي الحقيقة التي ظهرت فجأة له ولنا.

والآن أعود بذاكرتي إلى عام 1996، عندما كنا في سن العشرين، حيث الضحك على السيرك الدائر في الشوارع الجانبية، وجانبه المغني الذي مات بجرعة زائدة من المخدرات. فأنا أشعر قليلا بما كان يشعر به تيريل عندما صادف عومه في النافورة أن يكون قبل ساعات من اصطدام الطائرات بالأبراج، باستثناء أنني لم أقم بإصلاح ما قمت به باجتهاد كما فعل تيريل، هل أشعر أني مراسل أو كاتب كوني لم أغامر في الدخول لمناطق معارك لامتناعي عن مشاهدة الإرهاب وعبثية الحرب؟ أحيانا نعم، فإنني أشعر بالخجل مقارنة بزملائي في العمل وأقرانهم. فربما بعض الصحفيين الذين قضوا وقتاً في مناطق الحرب صمموا أحيانا خبراتهم، أو كما يبدو لأمثالنا من الذين يفتقرون الشجاعة والرغبة في رؤية الحرب مباشرة. لكن علينا القول أنهم يعرفون شيئا نحن لا نعرفه –ونحن ممتنون لكونهم كانوا هناك ليقولوا لنا. كانت الفترة التي قضاها تيريل في العراق ( الذي سيشعر بالسعادة قريبا لهذا) قصيرة جداً، مقارنة بصحفيين آخرينخاصة المقاتلين أنفسهم. لكنها كانت كافية على ما يبدو لتحثه على كتابة قصة مريرة وخبيثة ومفجعة للقلب، عن شيء مقصود ومأساوي عن الحوادث الواقعة في ساحة المعركة التي تلحق الدمار بالأرواح التي تتلاقى هناك أو تموت .


مقال مُترجم عن: A NOVELIST’S WARTIME EDUCATION

إقرأ أيضاً:

Comments تعليقات فيس بوك

comments تعليقات

Facebook Comments

Post a comment