ما الذي يمنعنا من إتقان فن الحب.. الفيلسوف إريك فروم يجيب

sample-ad

ترجمة: محمد ضوي


“يكاد يكون من المستحيل أن تجد أي نشاط أو مبادرة إنسانية تبدأ بآمال وتوقعات عريضة، ثم تبوء بالفشل، أكثر من الحب” – ماريا بوبوفا

يقول المعلم «زن» العظيم «ثيش نهات هان» كيف نحب شخص دون أن نستطيع أن نحب آلامه، وذكر في بحثه الرائع «كيف نحب» عن وجود عاطفة متأصلة، ومربكة في سياق تراثنا الحضاري، والذي باستمرار يقولب شعور الحب على أنه يحدث لنا بشكل سلبي، وعلى حين غرة، شيء نقع فيه، شيء يريد أن يقتنصنا، وما إلى ذلك، وليس مهارة حققناها من خلال الممارسة الواعية، كسعينا للتميز في كافة أنشطتنا الحياتية البشرية.

فشلنا في التعرف على جوانب هذه المهارات، ربما كان السبب الأساسي للارتباط الوثيق بين الحب والإحباط.

هذا لب ما بحثه عالم النفس الاجتماعي الكبير، والمحلل النفسي، والفيلسوف الألماني «إريك فروم» (23 مارس 1900- 18 مارس 1980) حيث بحث من خلال كتابه الرائع «فن الحب» قضية الحب كمهارة يجب تنميتها باستمرار، كما ينمي الفنانون أنفسهم للوصول إلى الكمال، بكل ما يتطلب ذلك من المعرفة والبذل.

يقول «فروم» إن هذا الكتاب يريد أن يوضح أن الحب ليس مجرد عاطفة يمكن أن تنمو بسهولة لدى أي شخص، بغض النظر عن مدى النضج الذي وصل إليه، بل يريد أن يقنع القارئ بحتمية فشل كل محاولاته للحب، ما لم يحاول بكل ما أوتيَّ أن يطور من شخصيته بشكل عام من أجل تحقيق ما يرنو إليه.

كما أنه لا يمكن أن يتحقق الرضا من خلال الحب الذاتي بدون القدرة على حب الغير، ودون التواضع الحقيقي والشجاعة والإيمان والانضباط، وفي ظل ثقافة تفتقر لمثل هذه الصفات، ستظل قدرة الحصول على الحب نادرة.

يعتقد «فروم» أن تصورنا المشوه للحب يأخذ شكل «اليين يانغ». فمعظم الناس يرون أن مشكلة الحب الأساسية هي كيف أُحَبّ بدلًا من كيف أُحِبّ، وقدرة الشخص على بذل الحب، ومن هنا تنشأ معضلة كيف أحصل على الحب، وكيف أصبح محبوبًا. يعتقد الناس أن القدرة على بذل الحب شيء بسيط، ولكن أن تجد الأدوات الصحيحة للحب، وأن تجد من يبذل لك الحب، فهو شيء صعب. هذا السلوك له عدة أسباب مرتبطة بتقدم المجتمع المعاصر، أحد هذه الأسباب هو التغير الكبير الذي ظهر في القرن العشرين، فيما يتعلق بمعنى الحب.

يقول «فروم»: أصبحت الفكرة الراسخة لدينا عن معنى الحب أنه خليط من التجارب الأولى للوقوع في الحب، أو حالة دائمة من الوقوع في الحب، ويمكن أن نطلق عليه مصطلح أعمق «الوقوف في الحب»، وقد تناول «ستندال»، كاتب فرنسي في القرن التاسع عشر، قبل أكثر من قرن من الزمان ذلك المفهوم، من خلال نظريته عن الحب المسماة «البلورة»، ويعتبر «فروم» أن لب المشكلة يكمن في الوقوع في هذا الخطأ.

إذا تواجد شخصان ليس لأحدهما علاقة بالآخر، وهُدِم الجدار الفاصل بينهما، سوف يشعر كل منهما بالقرب من الآخر، وسيشعران أنهما شخص واحد، تعد لحظة التوحد هذه واحدة من أكثر اللحظات بهجةً، ومن أكثر التجارب إثارةً في الحياة، ويعد ذلك شيئًا أكثر من رائع للأشخاص المنغلقين على أنفسهم، والمنعزلين، والمفتقرين للشعور بالحب.

أدى الحدوث المفاجئ لهذه المعجزة إلى نشوء ألفة متبادلة، وساهم الجمع بينهما إلى حدوث نوع من الانجذاب الجنسي، على أية حال هذا النوع من الحب بطبيعته حب مؤقت، فمع الوقت هذان الشخصان أصبحا على دراية جيدة ببعضهما، وبدأت علاقتهما تفقد بريقها تدريجيًّا، وصولًا إلى القطيعة، وخيبة الأمل، والملل الذي قضى على ما تبقى من شغف البدايات.

بالتأكيد أنه لم يجُل ذلك في خلدهم في بادئ الأمر، وساروا بشغف وراء مشاعرهم، وافتتانهم ببعضهم البعض كدليل على جدية ذلك الحب، بينما أنه قد يدلل ذلك فقط على مدى شعورهم بالوحدة فيما سبق.

يكاد يكون من المستحيل أن تجد أي نشاط أو مبادرة إنسانية تبدأ بآمال وتوقعات عريضة، ثم تبوء بالفشل، أكثر من الحب.

يقول «فروم» إن الطريقة الوحيدة لتخفيض ذلك المعدل المرتفع من الفشل تكون بدراسة الأسباب الخفية، التي تحول بين معتقداتنا حول الحب، والآلية التي يجب أن يكون عليها الحب، والتي يجب أن تتضمن الاعتراف بالحب كممارسة واعية، بدلًا من اعتباره قيمة غير مستحقة.

ويرى «فروم» أن الخطوة الأولى التي يجب اتخاذها هي إدراك أن الحب ما هو إلا فن، تمامًا كما الحياة، فإذا أردنا أن نتعلم كيف نحب، فعلينا أن نتخذ نفس الخطوات التي يجب علينا اتخاذها إذا أردنا أن نتعلم أي نوع آخر من الفنون، اختر ما شئت من الفنون: الموسيقى أو الرسم أو النجارة أو فن الطب أو الهندسة، ما هي الخطوات الأساسية لدراسة أي فن؟

إن دراسة أي فن تنقسم بديهيًّا إلى قسمين، أحدهما الإلمام بالنواحي النظرية، والآخر إجادة الممارسة، فإذا أردت دراسة فن الطب، يجب عليَّ في البداية أن أٌلم بالحقائق حول الجسم البشري، وما يتعلق بالفيروسات والأمراض، وبعد تحصيلي لكل هذه المعارف النظرية، لا يعني أنني أصبحت متخصصًا في فنون الطب، سأصبح ماهرًا في هذا الفن فقط بعد قدر كبير من الممارسة العملية، وفي النهاية يتم مزج تحصيلي النظري مع خبراتي العملية ليتبلور في شيء واحد.

أعتقد أن جوهر التمكن من أي فن بجانب الإلمام النظري والممارسة العملية، توافر عامل ثالث مهم لتتمكن من إتقان أي نوع من الفنون، وهو أن تمتلك الشغف والاهتمام البالغ بهذا الفن، وألا يكون لديك ما هو أهم من هذا الفن على وجه الأرض، وينطبق هذا على الموسيقى والطب والنجارة.

أما بخصوص الحب، وربما يكمن هنا الجواب عن سبب ندرة من يسعون لدراسة هذا النوع من الفن، بالرغم من الفشل الواضح، وبالرغم من الشغف الشديد بالحب، يعتبر كل شيء تقريبًا مقدمًا في الأهمية عن الحب، فالنجاح والمستوى الاجتماعي والثروة والسلطة كلها مقدمة عن الحب، وغالبًا ما توجه كل طاقاتنا لنتعلم كيف نحقق هذه الأهداف، والتي ليس أحدها تعلم فن الحب.

أروع ما خلص إليه «فروم» في كتابه «فن الحب» أنه ذهب لاستكشاف المفاهيم الخاطئة، والمغالطات الثقافية التي تحول دون إتقاننا لهذه المهارة الإنسانية العليا، وسلط الضوء على الناحية النظرية، والعملية بشكل رائع وغير تقليدي لكل المتناقضات التي تدور في قلب الإنسان، مكملًا بذلك مسيرة كل من الفيلسوف الفرنسي «ألان باديو» في كتابه «لماذا نقع في الحب ونبقى فيه»، والكاتبة «ماري اوليفر» في كتابها «جنون الحب الحتمي».


مقال مُترجم عن: Philosopher Erich Fromm on the Art of Loving and What Is Keeping Us from Mastering It

إقرأ أيضاً:

Comments تعليقات فيس بوك

comments تعليقات

Facebook Comments

Post a comment