الهوامل والشوامل -أبو حيان التوحيدى

sample-ad


يقول مسكويه: (( قرأت مسائلك التي سألتني أجوبتها في رسالتك التي بدأت بها فشكوت فيها الزمان واستبطأت بها الإخوان؛ فوجدتك تشكو الداء القديم والمرض العقيم. فانظر إلى كثرة الباكين حولك وتأس إنما تشكو إلى شاك وتبكي على باك، وكل أحد يلتمس من أخيه ما لا يجده أبداً عنده)).

كتب أبو حيان التوحيدي أسئلة جالت بخاطره وحيرته .. وسماها ” الهوامل” أي التائهة .. كأنها إبل أهملها صاحبها فتاهت .. في إشارة منه إلى حيرته .. وأرسل أسئلته إلى صديقه ابن مسكويه ليجيبه عنها، فأرسل ابن مسكويه إجاباته الشافية وسماها ” الشوامل” كأنها حيوانات الحراسة التي تعيد الإبل التائهة إلى جمعها.
أبو حيان التوحيدي .. كثير الشكوى، متقلب المشاعر، ولكنه الأديب مع الأدباء، الفيلسوف مع الفلاسفة، المتكلم مع المتكلمين، المتصوف مع المتصوفة.
أما مسكويه فقد برع في الفلسفة فقط ولم يبرع في غيرها لأن عمله كخازن على بيت المال شغله عن دراسة الكثير مما لابد من تحصيله في مسائل العلم وأقسامه.
يجتهد أبو حيان التوحيدي في أسئلته فمرة يشرق وأخرى يغرب. يصول بأسئلته ويجول وكأن العالم كله صفحة أمام عينيه .. يسأل أسئلة خـُـلقية، ثم يتبعها باجتماعية، ويعود ليسأل أسئلة اقتصادية أو نفسية أو لغوية.
ما الفرق بين السرور والحبور، والبهجة والغِبطة، ، والجَذَل والفرح؟ ولماذا تـُـفـشـى الأسرار بمرور الزمان رغم أن أصحابها قد حرصوا أشد الحرص على كتمانها. ولماذا في نفس الإنسان حب لأن يرى الآخرون حسن صنيعه؟
و يجيب مسكويه متنقلا بين أطياف العلوم وفنون الثقافة .. يتنقل بين فنون المعرفة من اللغة إلى الأخلاق مع معرفة بمكنون النفوس وما يجول في خواطر البشر وضمائرهم.
يرى أبو حيان أمراً يحيره .. يرى تواصي الناس بالزهد في الدنيا مع حرصهم الشديد عليها وانغماسهم فيها حتى النخاع، فيسأل مسكويه: ألأن الإنسان في الأصل يولد جاه؟ لا!
وفي سؤال آخر: ما سبب من يدعي العلم وهو يعلم أنه لا علم عنده؟
فيجيب مسكويه بأن سبب ذلك محبة الإنسان لنفسه وشعوره بموضع الفضيلة فهو لأجل المحبة يدعي ما ليس له.
فيعود ليسأله: ما سبب رغبة الإنسان في العلم؟ فيجيبه بأن العلم هو كمال الإنسان .. وكلما زاد علم الإنسان زادت إنسانيته.
ويتساءل في مسألة أخرى عن سبب ذم الناس للبخل ومدحهم الكرم، واتفاقهم على مجافاة الغدر واستحسان الوفاء مع غلبة الغدر وقلة الوفاء.
فيرد مسكويه بأن سبب استحسان الناس الوفاء حسنه في العقل، لأن الناس يتعاونون فيما بينهم .. فوجب عليهم أن يكونوا أوفياء لبعضهم حتى تتم أمورهم بخير.
وبحسب الأمر المقصود إتمامه يكون حسن الوفاء وقبح الغدر فإن كان الأمر شريفـًا استحسن الوفاء فيه.
وينتقل ليسأل في مناطق أخرى كالعادات والأخلاق … يتبعها بسؤال في الأدب واللغات .. ويعود ليسأل أسئلة تبدو في ظاهرها بسيطة ولكن ما خفي كان أعظم فيجيبه مسكويه بإجابات أشمل وأبسط.
ويسأل عن المدح والذم فلماذا يمدح الإنسان غيره ولماذا يذمه؟
ولماذا يستخدم الإنسان التشبيه في كلامه .. لماذا يشبه الشيء بالشيء؟
ويسأل عن الرؤيا وصحتها وفسادها.
ويجيب مسكويه شارحًا الزمان والحركة وأقسام الحركة والسكون.
ويسأله عن الفراسة والعواقب والقرائن ويسلمنا أبو حيان من تساؤل إلى تساؤل وكأنما يسقينا مياه البحر كلما استسقينا.

إقرأ أيضاً:

Comments تعليقات فيس بوك

comments تعليقات

Facebook Comments

Website Comments

  1. avatar Splatters
    Reply

    That is really fascinating, You are an overly skilled blogger. I have joined your rss feed and stay up for in the hunt for more of your wonderful post. Also, I¡¯ve shared your web site in my social networks

Post a comment