الماركسية و الإسلام – مصطفى محمود

sample-ad


يناقش الكاتب بكل هدوء مجموعة من القضايا الحاسمة فى مصير الإنسان. فيمزق الستار عن كافة الفلسفات التى وضعها العقل البشرى فى القرنين التاسع عشر والعشرين.

ركز الدكتور مصطفى محمود حديثه على الفلسفة المادية لكنه تعداها إلى فلسفات الغرب أيضا. وعرض بعض آراء سارت وفرويد وماركس وباركيز.

بدأ الفصل الأول بحديثه عن الحرية:
الحرية هى نقطة البدء .. لكن ما هو تعريف الحرية؟ الحرية ليست هى أن نجد ما نأكله (كما يُعرفها الماديون أصحاب فلسفة المضمون الاجتماعى للحرية)
الحرية هى القدرة على أن يقول الانسان “لا” للظلم, “لا” للباطل. وفى هذه القدرة يكمن المعنى الوحيد لحريته.

الحرية هى روح الموقف الأخلاقى. وبدون الحرية فلا أخلاق، ولا إخلاص، ولا إبداع، ولا إتقان.
وتأجيل الحرية بدعوى الوصاية على الشعب فى مرحلة انتقالية، هو قرار فى الوقت نفسه بتأجيل الصدق والأمانة والشجاعة الضرورية لقيام المجتمع السليم.
والحرية عند أهل اليمين غير الحرية عند أهل اليسار.

فالحرية فى النظام الرأسمالى هى أن تفعل ما تشاء, وتمتلك ما تريد، مادمت تدفع الضريبة وتملك الثمن. ولكن هذه الحرية سوف تتطور بشكل سلبي آليا لتصبح احتكارا يتحكم فى السلعة وفى السعر. وبالتالى سوف تسلب الآخرين حرياتهم وتستغلهم وتتحكم فى رقابهم. والحرية بهذا المعنى تناقض نفسها, فهى تقضى على حرية الآخرين, وفى النهاية تقضى على حرية صاحبها.

فإذا جئنا إلى اليسار فإننا نجد الحرية بالمفهوم الماركسى هى حرية تغيير العالم وإعادة بنائه وفق خطة الحزب .. ففي البداية لابد من تحطيم رأس المال والعلاقات الرأسمالية التى تقوم على الاحتكار والاستغلال, وذلك بنزع ملكية المصنع والأرض ووسائل الإنتاج كافة ووسائل الإعلام, وإداراتها من جهة الحكومة لصالح الشعب العامل. وكمرحلة مؤقتة تتولى الطبقة العاملة بصفتها الطبقة صاحبة المصلحة إعلان الدكتاتورية, وحينما تنجز دكتاتورية العمال رسالتها وتقضى على الطبقة البرجوازية, وتحقق مجتمعًا لا طبقيًا، تنحل الدكتاتورية من تلقاء نفسها .. بل تنتهى الحكومة لأنه لن يعود لها داع وسيصبح الإنتاج من الكثرة والوفرة بحيث يأخذ كل واحد حسب حاجته, ويعمل كل واحد على حسب طاقته، فى مجتمع نموذجى تسود فيه الإنسانية وينتهى الطمع .. تلك كانت أحلام الماركسية.
ولكن الواقع اختلف عن الحلم. ليس فقط بسبب سوء التطبيق, ولكن بسبب ثغرات في النظرية. فالدكتاتورية أتت ومعها مجتمع الخوف .. وتحول جهاز الحزب الذى يتألف من ملايين الأعضاء إلى طبقة جديدة من المنتفعين، لها مصلحة فى البقاء مستمتعة بجميع مميزات الحزب. وأصبح من الممكن أن تخون القاعدة الجماهيرية كما يخونها عضو البرلمان الرأسمالى.

وفى حضور الخوف وغياب المبدأ الدينى تدهورت الأخلاق, وظهر غول البيروقراطية, وأصبحت السلعة التى كان يسرقها رأسمالى واحد يشترك الآن فى سرقتها جيش من الموظفين.
وقد وقع الفكر المادى فى تناقض أساسى بين كونه فكر يدعو إلى التضحية والبذل من أجل الآخرين، وكونه فكر محروم من الحافز الدينى والمبدأ الروحى. والدين كما هو معلوم يمد الإنسان بأعظم طاقة ليضحى ويبذل بلا حدود. وهكذا أصبح الفكر المادى يطالب بالولاء بالفعل, ثم يجعله مستحيلا بالفكر والنظرية.

وقد أخطأت تنبؤات ماركس جميعها التى بناها على منهجه الجدلى.
وربما كانت أكبر أخطاء الماركسية هى إصرارها على أن تكون فكرًا شموليًا يبتكر الحل لكل شىء, ويفتح كل باب، ويجيب على كل سؤال.
ولم يستدل ماركس على نظريته بالتاريخ كله, وإنما ببعض مراحل تاريخية انتقاها. وتفسيره المادى للتاريخ بأن أسباب الإنتاج وعلاقات الإنتاج كانت دائما هي السبب الذى يشكل البنيان الفوقى الاجتماعى بما فيه من فن وفكر ودين. وهذا التفسير كان تبسيطًا ساذجًا لعمليات متداخلة شديدة التعقيد, فالفكر والاختراع يمكنهما فى لحظة أن يقلبا وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج بأكثر مما تستطيع تلك العلاقات أن تنتج فكرا.
والدين يغير العلاقات الاجتماعية فى حين تعجز العلاقات الاجتماعية أن تصنع دينًا.
وأقوى البراهين على ذلك هى نشأة الإسلام. فلم يأت الإسلام نتيجة انقلاب فى نظام الإنتاج وعلاقات الإنتاج فى قريش، بل جاء من البداية مقررا المساواة فى الفرص وضمان حد الكفاية للمواطن, وتحقيق التوازن الاقتصادى بين الفرد والمجتمع, وجاء بمبدأ الملكية الخاصة والملكية العامة ومبدأ الاقتصاد الحر الموجه. وفى هذا تحدٍ لمنطق الماركسية التاريخى وحساباتها المادية التى تحتم انبثاق كل انقلاب سياسى من انقلاب مناظر فى نظام الإنتاج وعلاقاته.
والصراط المستقيم فى الإسلام ليس هو الوسط الحسابى بين اليمين واليسار, وإنما هو الوسط الجدلى, هو التركيب الجامع الذى يوفق بين النقيضين ثم يتجاوزهما فى وحدة غنية خصبة جامعة. والمنهج الإسلامى هو التوازن الدقيق بين مصلحة الفرد ومصلحة المجموع, دون أن تطغى إحداهما على الأخرى. فلا رأسمالية ولا شيوعية. وإنما نظام يأخذ من الفرد دون أن يطحنه, ويعطى المجتمع دون أن يجعل منه سلطة تذويب للأفراد.

الفصل الثانى : المادة والروح
يطرح الكاتب تساؤلا فى بداية الفصل. لمن تكون الكلمة العليا؟!
أتكون للمادة والظروف المادية؟ أم للفكر والعقل والإرادة الإنسانية والكيان اللطيف بداخلنا الذى نسميه الروح؟
ستقول النظرة السطحية أن البيئة والظروف الاجتماعية والوراثية والحالة المالية من فقر وغنى وجوع وشبع هى التى لها السيادة، وأنها هى التى تقود السلوك وتصنع الوجدان وتحفز المشاعر. وهو كلام صحيح فى حالة واحدة .. هى حالة اختيار الفرد أو الجماعة لطريق الاستسلام والسلبية والخضوع لغرائز البطن.

إن الإرداة البشرية مؤهلة بفطرتها للسيادة على المادة وقيادتها وتغييرها والتحكم فيها وليس العكس. وإنما تنازل الانسان عن حقه الطبيعى فى الاختيار وإيثاره للسلبية والجبن هو الذى يؤدى به إلى هذه الحتمية المادية الخادعة التى استمد منها المفكرون الماديون نظرياتهم.

وإذا كانت المادية الجدلية تقول بسبق المادة على العقل، وأنه فى البدء كانت المادة ثم تطورت بالقوانين الجدلية الباطنة فيها إلى حياة نباتية، ثم حياة حيوانية، ثم حياة إنسانية، ثم انبثق من الحياة الإنسانية العقل، ومن العقل الفن والعلم والدين .. إذا كانت تقول إن الوجود جاء على هذا الترتيب بدءا بالمادة وانتهاء بالعقل .. فالسؤال هو: فما الذي جاء بالمادة؟
إن المادة بجميع أشكالها الهندسية وبجميع ذراتها المحكمة الصنع تدل وتؤكد على أنها جاءت بتصميم عقل سابق وأنه لابد لها من مهندس ومصمم ومخترع هو عقل كلى سابق على النشأة والخلق.
ثم من وضع القوانين الجدلية فى المادة؟ أليس كل قانون يحتاج إلى مقنن؟ وإذا أسقطنا السببية أفلا يسقط العالم كله؟
ورد الماديون التقليدى .. بأن هذا الكلام يُلقى بنا إلى غيبيات، نجيب عليه نحن أيضًا بجواب مشروع .. فنقول : وهل كلام الماديين عن بدء الوجود إلا الغيبيات بعينها؟

الفصل الثالث : زعيم الثورة الشبابيية
يعرض فى هذا الفصل بعض من أفكار سارتر وفرويد وهربرت ماركوز .. وكيف أن أشكال الثورة قد اتخذت شكلا طلابيًا وقت كتابة الكتاب. وكان لهذا الشكل الطلابي طابع مميز فى العالم كله .. طلبة معتصمون فى حرم الجامعة أو مضربون أو يتظاهرون. واتسع نطاق السخط والرفض، فأصبح احتجاجًا على كل شىء .. على الآباء، وعلى الحكم، وعلى النظام الاجتماعى، وعلى الدين، وعلى الله تعالى.
ويرى الكاتب ان وراء هذه الثورة تاريخ، وعقول ماكرة كانت تعمل فى العلن والخفاء لترصف الطريق وتمهد السبل لهذا التهديم.
فكر سارتر الذى ظل يبث القلق والعبثية والإحساس بعدم الجدوى وبأن الانسان ولد ليموت وقذف به فى الكون بلا رعاية .
وفكر فرويد الذى صور من الانسان حيوانًًا يدور فى فلك غريزته الجنسية .. منذ طفولته وهو يرضع ثدى أمه بلذة جنسية إلى شبابه ورجولته وشيخوخته وهو يحلم ويبدع الفنون والفلسفات وكل هذا فى نظر فرويد مجرد إفرازات جنسية أخرى من نوع آخر متسام .. حتى الدين هو اعتذار للأب مما يخفيه العقل الباطن من أحقاد عقدة اوديب. فالابن الذى كان يشتهى أمه ويريد أن يقتل أباه يحاول أن يخفى هذا العار بأن يخلق لنفسه أبًا سماويا بديلا يسجد له فى خشوع ( وقد نسى فرويد أن الدين كان موجودًا منذ أيام المشاعية الأولى ومن قبل أن تظهر العقدة الأوديبية على الإطلاق).
ويأتى ماركس ليحرك التاريخ حول غريزته الاقتصادية. ومن بعد ماركس يأتى هربرت ماركوز الذى اشتهر بأنه زعيم الشباب ليعلن يأسه من الطبقة العاملة، ويتهم البروليتاريا بأنها تواطأت مع الرأسمالية فى بلادها وأصبحت منتفعة بالنظام الرأسمالى. وهو يتهم الاشتراكية بأنها استبدلت رأس المال بطاغية جديد اسمه التخطيط والخطة. وأنها تسير فى نفس طريق الرأسمالية الأمريكية لخدمة هدف واحد هو وفرة البضائع الاستهلاكية. وليس عند هربرت ماركوز حل بديل، وإنما هو يكتفى بالتحريض على الثورة والرفض والهدم.
يحلم ماركوز بمجتمع بلا محظورات .. مجتمع يباح فيه الجنس والاستمتاع الجنسى والعاطفى والجمالى بلا موانع من دين أو خلق أو تقاليد. ويتصور أن هذا التقدم هو الحرية المنشودة.
و رأى الكاتب فى نهاية الفصل أن هذه الأفكار بعض من الرياح التى تهب علينا من الغرب والشرق لتقتلعنا من جذورنا. ولا يصح أن نغلق نوافذنا دون هذه الرياح، كما لا يصح أن نترك أنفسنا لها حتى تلقى بنا إلى خواء الغربة بعيدا عن أرضنا وتربتنا. وإنما علينا أن نتفتح على كل جديد وأن نقرأ بعيون ناقدة وعقل حافص ينتقى ويختار و يضم إلى تراثه الحضارى كل جديد مفيد.

الفصل الرابع : طريقنا إلى النجاة
وصل الكاتب بنا إلى سؤال هام. ماذا يمكن أن نفعل حتى لا نفقد أنفسنا خلال هذا التطور السريع الذى يعطينا قشرة مادية ويسلبنا جوهرنا وشخصيتنا وأعماقنا؟
لا يطالب الكاتب بأن ننغلق على أنفسنا ونرفض العلوم الغربية المبتذلة ونكتفى بكتاب الله. فهو يرى أن مثل هذا الكلام لا يقوله إلا أحمق. فكتاب الله يحضنا على إعمال الفكر والعقل واكتشاف سنن الحياة والتطور. ولكن المشكلة كيف نأخذ هذا العلم المنهج العلمى الموضوعى الذي يقوم على استباط قوانين الطبيعة من التجربة، ومن استقراء المشاهد المحسوسة. ولهذا فهو يتضمن رفض كل ما هو غيب. ولهذا تستبعد العقلية العلمية فكرة الله والقدر والجن والملائكة والعالم الآخر. ولذلك يجب علينا أن نقدم للطلبة الدين والمعارف الإلهية كمادة أساسية. وبذلك يتعرف الطالب على أن هناك نوعان من الحقائق .. حقائق موضوعية كالكهرباء .. وحقائق إلهية خافية لا يمكن أن تأتى إلا وحيًا عن طريق الرسالات .. وهذه الحقائق تكون وسيلة اليقين فيها القلب وليس العقل. وبهذا يمكنننا أن نأمل في أن نأخذ من الغرب علمه، دون أن نفقد تراثنا الروحى.

إقرأ أيضاً:

Comments تعليقات فيس بوك

comments تعليقات

Facebook Comments

Post a comment